محمد باقر الملكي الميانجي

36

مناهج البيان في تفسير القرآن

ولا إشكال أيضا في الاختلافات الراجعة إلى المخاطبين في نيلهم وإدراكهم المطالب الملقاة إليهم في قالب الألفاظ ، إلّا أنّ البحث إنّما هو في أنّه هل المقصود من القرآن كلّه ليس إلّا مداليل الألفاظ الّتي في معرض إفهام العامّة وليس وراءها معنى آخر كي يستأثر اللّه ورسوله وأوصياؤه صلوات اللّه عليهم بعلمه ، أو أنّ له بعد المداليل العادية معان لا يعلمها إلّا اللّه وأولياؤه . الأوّل خلاف نصّ الآية والسنّة القطعيّة . فتبيّن أنّ الرّاسخين الّذين يعلمون التأويل كلّه - بناء على العطف أو بحسب الأدلّة المنفصلة الأخرى - هم العلماء الخاصّون لا كل من له رسوخ في علم التفسير . إذ الراسخ في تفسير القرآن في مرحلة إفهام العامّة غير الراسخ في علم التأويل سواء قلنا بصحّة إطلاق التأويل على التفسير أم لا . فإنّ هذا القسم من علم القرآن الّذي استأثر اللّه بعلمه دون جميع خلقه ، غير الّذي أفاض على النّاس : برّهم وفاجرهم . والظاهر أنّ رتبة تأويل المتشابه هي مرتبة تأويل الكتاب والمرجع في تعلّم علم تأويل الكتاب هو المرجع في تأويل المتشابه أيضا لا مفاد المحكمات والظواهر والنصوص . وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الّذي هو أفضل الراسخين وما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله وتوارث منه أوصياؤه عليهم السّلام . فلا بدّ للنّاس من التعليم والأخذ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأوصيائه الحفظة . ووزان هذا التعليم بعينه وزان تعليم الأحكام ليس لهم إلّا التعبّد في التعبديّات . وتعليم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله للنّاس عامّة ليس على حدّ يشفي الغليل ويغني الفقير . نعم أخذ بعض منهم شيئا أو أشياء وغاب عنه آلاف ألوف . وليس فيهم من يقدر على استنباط علوم القرآن حلاله وحرامه وأحكامه والجمع بين عناوينه الأوليّة والثانويّة في جميع الأزمان والأيّام إلى يوم القيامة . وليس فيهم من يتفوّه في إلهيّات القرآن والمعارف الربوبيّة والمعاد . ولا يخفى على أهل الانصاف موقع علماء التفسير من الصحابة والتابعين وعلماء الفقه ، وميزان أفكارهم ومعارفهم فكأنّهم لم ينزل القرآن على ساحتهم ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بين أظهرهم . فمن ادّعى من الناس أنّه أخذ القرآن بجميع جوانبه وعلومه وتنزيله وتأويله وظهره وبطنه وأحكامه ومعارفه ، إنّما هو مفتر كاذب إلّا أوصياؤه صلّى اللّه عليه وآله فإنّهم يتوارثونه كابر بعد كابر وصادق بعد صادق وعندهم معاقل العلم وأصوله وموادّه . الثالث : معنى التأويل والتفسير .